ذات يوم كنت أتسوق في مكتبة بوسط العاصمة الجزائر.. أبحث عن رواية باللغة الإنجليزية. و يا لها من مهمة شاقة لو كنتم تعلمون… تجولت بين الرفوف المليئة بالكتب…أبحث…وأبحث… لكنني لم أعثر إلا على بضع روايات قديمة من الأدب الكلاسيكي الإنجليزي ..كانت مركونة في زاوية مظلمة من المتجر. و لا أثر للكتب الأنجلوفونية الشهيرة و لا لأسماء الكتّاب الأنجلوفونيين المعاصريين و الأكثر مبيعا في العالم…في الواقع.. لم أكن أتوقع غير هذا في مكتبة بالعاصمة…إلا أنني كنت آمل.. لعلي أعثر هذه المرة على رواية فريدة ممن تتصدر المبيعات في العالم…تسليني في هذا الصيف الحار و تعينني على تحسين مهارتي في القراءة باللغة الانجليزية… لكن..و مرة أخرى.. إصطدمت آمالي الأدبية بواقع الهيمنة .الفرنكوفونية في وطني الجزائر…

يا لها من حقرة…و يا له من مشهد محزن و مستفز…الحنوة من حولي يعج بالكتب الفرنكفونية لحد الغثيان …كتب قديمة و عصرية.. تاريخية و سياسية… بوليسية و عاطفية…فلسفية و عالمية..كتب عن الأدب و الفن العربي بالفرنسية…و عن الإسلام و النصوف بالفرنسية…و كتب عن ثورة التحرير من الاستعمار الفرنسي باللغة الفرنسية كذلك…و روايات كتبت أصلا بالانجليزية تباع هنا حصريا مترجمتا للفرنيسية…و لا مجال لك..و لا حرية لك ..في اقتنائها بلغتها الأصلية…فهذه المكتبة مستعمرة فرونكوفونية… 

وفي هذه المكتبة ..التي تبيع كل أنواع الكتب الفرنكوفونية…كان هنالك زبونا غير راضيا… رجلا في الخمسينيات من عمره يستمع لاقتراحات البائعة عن آخر الاصدارات من الكتب المستوردة من فرنسا و هو عبوسا …يتمتم في كل مرة : لقد قرأته من قبل..  وهذا كذلك و ذاك أيضا…احتارت البائعة في أمره .. فاتجهت مؤقتا نحوي لعلها تبيعني كتابا ..غير أنها و بعد سماعها لطلبي الغير فرنكفوني …بدى على وجهها شيء من الحيرة و الدهشة…

  Oh, un livre en anglais  .ماذا  كتاب بالإنجليزية؟ قالت

 .فهمت  من نبرة كلامها.. أنها حتما لن تعيرني نفس الاهتمام الذي أعارته لزبونها الفرنكفوني… أجابتني بالفرنسية و هي تشير لتلك الزاوية المظلمة… كل ما عندنا هو على الرفوف … هناك…. و تركتني لزبون اخر.

 حينها استدار الرجل نحوي ليسألني مندهشا : اتقرئين بالانجليزية؟

 أجبته بنعم .

“Vous avez de la chance” قال بالفرنسية : أنت محضوضة

ضحكت في سري أي  “شانس” ؟ أي حظ هذا؟   يعني من كثرة الكتب الانجلوفونية التي من حولي…

ولكنني أجبته  : هي ليست مسألة حض بل تعلم.. يمكنك تعلم الانجليزية في 6 أشهر.

 أجاب : في سني هذا مستحيل… فات الأوان …

فهو فرونكوفوني و انتهى الأمر . أتعسني رده و قناعته. حاله هو حال معظم الفرنكوفيين في بلدي…لا يتقنون سوى الفرنسية ..لغة المستعمر.. التي أصبحت لسانهم وهويتهم…خاضعين…و مستسلمين…. مستعمرين.

خرجت من تلك المستعمرة الفرونكوفونية خالية اليدين. ..عدت… أنا و حضي الانجلوفوني إلى البيت… فتحت لوحتي و أبحرت بعيدا عن مكتبات العاصمة لأتصفح على الانترنت كتب لمفكرين عالميين من أوروبا و أسيا و أمريكا و افريقيا

كتب لم تكتب و لم تنشر في باريس …

Advertisements